محمد الريشهري

2335

ميزان الحكمة

أحد الوجوه الأخرى . التاسع : قيل : إذا علم اثنان من رجل معصية شاهداها فأجرى أحدهما ذكرها في غيبة ذلك العاصي جاز ، لأنه لا يؤثر عند السامع شيئا ، وإن كان الأولى تنزيه النفس واللسان عن ذلك لغير غرض من الأغراض المذكورة ، خصوصا مع احتمال نسيان المقول له لذلك المعصية ، أو خوف اشتهارها عنهما . العاشر : إذا سمع أحد مغتابا لآخر وهو لا يعلم استحقاق المقول عنه للغيبة ولا عدمه ، قيل : لا يجب نهي القائل ، لإمكان استحقاق المقول عنه ، فيحمل فعل القائل على الصحة ما لم يعلم فساده ، لأن ردعه يستلزم انتهاك حرمته ، وهو أحد المحرمين ، والأولى التنبيه على ذلك إلى أن يتحقق المخرج عنه ، لعموم الأدلة وترك الاستفصال فيها ، وهو دليل إرادة العموم حذرا من الإغراء بالجهل ، ولأن ذلك لو تم لتمشى فيمن يعلم عدم استحقاق المقول عنه بالنسبة إلى السامع ، لاحتمال اطلاع القائل على ما يوجب تسويغ مقاله ، وهو هدم قاعدة النهي عن الغيبة ، وهذا الفرد يستثنى من جهة سماع الغيبة وقد تقدم أنه إحدى الغيبتين . وبالجملة : فالتحرز عنها من دون وجه راجح في فعلها فضلا عن الإباحة أولى ، لتتسم النفس بالأخلاق الفاضلة ، ويؤيده إطلاق النهي فيما تقدم لقوله ( صلى الله عليه وآله ) : " أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ذكرك أخاك بما يكره " ، وأما مع رجحانها كرد المبتدعة ، وزجر الفسقة ، والتنفير عنهم ، والتحذير من اتباعهم ، فذلك يوصف بالوجوب مع إمكانه فضلا من غيره ، والمعتمد في ذلك كله على المقاصد ، فلا يغفل المتيقظ عن ملاحظة مقصده وإصلاحه ، والله الموفق . انتهى ملخص كلامه نور الله ضريحه ( 1 ) . وقال الشهيد رفع الله درجته في قواعده : الغيبة محرمة بنص الكتاب العزيز والأخبار ، وهي قسمان : ظاهر وهو معلوم وخفي وهو كثير ، كما في التعريض مثل : أنا لا أحضر مجلس الحكام ، أنا لا آكل أموال الأيتام أو فلان ، ويشير بذلك إلى من يفعل ذلك ، أو الحمد لله الذي نزهنا عن كذا يأتي به في معرض الشكر ومن الخفي الإيماء والإشارة إلى نقص في الغير وإن كان حاضرا ، ومنه لو فعل كذا كان خيرا ، ولو لم يفعل كذا لكان حسنا ، ومنه التنقص بمستحق الغيبة لينبه به على عيوب آخر غير مستحق للغيبة ، أما ما يخطر في النفس من نقائص الغير فلا يعد غيبة ، لأن الله تعالى عفا عن حديث النفس ، ومن الأخفى أن يذم نفسه بطرائق غير محمودة فيه أوليس متصفا بها لينبه على عورات غيره ، وقد جوزت صورة الغيبة في مواضع سبعة : الأول : أن يكون المقول فيه مستحقا لذلك ، لتظاهره بسببه ، كالكافر والفاسق المتظاهر ، فيذكره بما هو فيه لا بغيره ، ومنع بعض الناس من ذكر الفاسق وأوجب التعزير بقذفه بذلك الفسق ، وقد روى الأصحاب تجويز ذلك ، قال العامة : حديث لا غيبة لفاسق أو في فاسق لا أصل له ،

--> ( 1 ) البحار : 75 / 231 - 234 .